الطريق السيار المائي والربط بين الأحواض.. المغرب يُحوّل تحديات الندرة إلى فرص للصمود المائي
شهد المغرب تحولاً جوهرياً في طريقة تعاطيه مع إشكالية الموارد المائية، إذ انتقل من منطق التعامل الظرفي مع الأزمات إلى نهج التخطيط الهيكلي الاستباقي، القائم على تنويع مصادر المياه وتطوير بنيات تحتية ضخمة تستجيب لمتطلبات الحاضر وتستشرف تحديات المستقبل. ويأتي هذا التوجه في سياق تتصاعد فيه الضغوط المناخية وتتزايد الحاجة إلى ضمان استمرارية التزويد بالمياه على الصعيد الوطني.
وقد تميز الموسم الهيدرولوجي الحالي 2025-2026 بتساقطات مطرية وثلجية مهمة، أسهمت في تحسين ملحوظ لمستوى ملء السدود الذي فاق 76 في المائة، في تحسن لافت مقارنة بالموسم السابق 2024-2025 الذي عرف عجزاً مطرياً قُدّر بـ18.5 في المائة مقارنة بسنة عادية. غير أن هذا التحسن أفرز في الآن ذاته ضغطاً على بعض المنشآت، إذ تجاوز معدل الملء 80 في المائة في 31 سداً، مما استدعى إجراء عمليات تصريف على مستوى 11 منشأة للحدّ من مخاطر الفيضانات، مع توظيف هذه الفرصة لإخراج الرواسب وتحسين الطاقة التخزينية على المدى المتوسط والبعيد.
وتشكّل مشاريع ربط الأحواض المائية ركيزةً محورية في هذه الاستراتيجية، ويتصدرها المشروع الملكي للطريق السيار المائي الذي مكّن الربط بين حوض سبو وحوض أبي رقراق من نقل 950 مليون متر مكعب من المياه، وضمان التزويد بالماء الصالح للشرب لفائدة 12 مليون مواطنة ومواطن، متجنباً بذلك أزمات مائية حادة كانت تُهدد منطقة الدار البيضاء الكبرى. وفي امتداد لهذا التوجه، يُرتقب إطلاق مشروع ربط حوض أبي رقراق بحوض أم الربيع قبل نهاية 2026، بطاقة نقل للمياه تصل إلى 800 مليون متر مكعب سنوياً، في خطوة تُعزز منطق التضامن المجالي وإعادة توزيع الموارد على الصعيد الوطني.
وتعكس هذه المنظومة الشاملة، انتقال المغرب نحو نموذج تدبير مائي مرن ومستدام، يستحضر دروس الجفاف الماضي ويبني عليها قدرات صمود أمام تقلبات المناخ، ضماناً لاستمرارية التزويد بالمياه لفائدة الأجيال الحالية والقادمة.