تصل إلى 33%.. تقنيات الري الذكي تفتح آفاقا جديدة للاقتصاد في مياه السقي الفلاحي
أصبحت ندرة المياه تعيد ترتيب أولويات الزراعة المغربية، خاصة داخل المناطق التي تعتمد على زراعة الأشجار المثمرة. ولم يعد التحدي مرتبطا فقط بتوفير مياه السقي، بل أصبح يقوم على تحديد التوقيت المناسب والكميات الضرورية والهدف الفسيولوجي من كل عملية ري، بما يضمن تحسين مردودية كل متر مكعب من الماء دون التأثير على الإنتاج.
ويقوم الري الناقص المتحكم فيه على تقليص كميات المياه بشكل مقصود خلال مراحل نمو تستطيع فيها النباتات تحمل إجهاد مائي معتدل، مع الحفاظ على الري الكافي خلال المراحل الحساسة، مثل الإزهار وعقد الثمار. وتهدف هذه المقاربة إلى توجيه الموارد المائية نحو الفترات التي يكون فيها تأثيرها أكبر على المردودية وجودة المحاصيل، بدل خفض كميات السقي بشكل موحد طوال الموسم.
وأظهرت تجارب شملت بساتين الخوخ بالمغرب إمكانية تحقيق اقتصاد في مياه الري يصل إلى نحو 20% دون تسجيل خسارة مهمة في المردودية، عند تطبيق برامج دقيقة ومتكيفة مع حاجيات الأشجار. كما ساهمت هذه الممارسات في تحسين بعض مؤشرات جودة الثمار، خاصة نسبة السكريات، ما يعزز قيمتها الاقتصادية بالنسبة للمنتجين المتوجهين نحو الأسواق ذات القيمة المضافة.
وفي السياق المتوسطي، بينت دراسة نشرت سنة 2023 أن تطبيق عجز مائي خلال المرحلة الثانية من نمو ثمار الخوخ أتاح توفير 33.6% من المياه ورفع إنتاجية مياه الري بنسبة 45%، لتصل إلى نحو 4.16 كيلوغرامات من الثمار لكل متر مكعب من الماء. واعتمدت التجربة على مراقبة المؤشرات الفسيولوجية للأشجار، بما يوفر مرجعا تقنيا للضيعات المجهزة بأجهزة القياس والاستشعار.
وأكدت تجارب أجريت على صنف الزيتون "منارة" بالمغرب أن بعض أنظمة الري الناقص المنظم تساهم في تحسين الإنتاجية المائية دون تأثير قوي على المحصول. غير أن تقليص المياه بمستويات حادة أدى إلى تراجع نمو الأغصان بنسبة تراوحت بين 22% و40% بحسب السنوات، وهو ما يبرز أهمية اعتماد هذه التقنية باعتبارها أداة دقيقة تقوم على التتبع المستمر، وليس مجرد خفض عام لكميات مياه السقي.
وتوفر الزراعات داخل البيوت المغطاة مجالا إضافيا لتطبيق هذه المقاربة، حيث أظهرت أبحاث حول زراعة الطماطم أن التحكم في رطوبة التربة يمكن أن يرفع كفاءة استخدام المياه بنسبة تتراوح بين 20% و24%. وأوصت هذه الدراسات بالحفاظ على رطوبة تتراوح بين 70% و90% من السعة الحقلية خلال المرحلة الأولى من النمو، ثم بين 40% و60% خلال المرحلة الموالية، بما يسمح بتحقيق توازن أفضل بين استهلاك الماء والإنتاج.
كما بينت تجربة متوسطية على الطماطم الصناعية في الحقول المفتوحة أن تطبيق عجز مائي خلال مرحلة محددة مكن من اقتصاد متوسط في الماء بلغ 21.46% دون تراجع مهم في المحصول، مع ارتفاع إنتاجية مياه الري بنحو 22% وتحسن بعض خصائص جودة الثمار بأكثر من 10%. وتعكس هذه النتائج قدرة الري المتحكم فيه على التحول إلى وسيلة لتحسين الأداء الزراعي، وليس فقط إجراء مرتبطا بتقليص الموارد المتاحة.
ويظل نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطا بالاعتماد على مؤشرات دقيقة، تشمل رطوبة التربة والحالة المائية للنبات ونماذج الميزان المائي، إلى جانب تجهيز الضيعات بأدوات القياس وتطوير قدرات مستعملي مياه الري. وتواصل الزراعة المغربية بذلك التقدم نحو تدبير أكثر دقة واستدامة للمياه الزراعية، يربط بين الاقتصاد في الموارد والمحافظة على الإنتاج وجودته.